المقريزي
180
إمتاع الأسماع
الشجرة ، وشمرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى استظل تحتها . فلما رأى ذلك بحيرا ، نزل من صومعته ، وقد أمر بذلك الطعام فصنع ، ثم أرسل إليهم فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، وأنا أحب أن تحضروا كلكم ، صغيركم وكبيركم ، وحركم وعبد كم ، فقال له رجل منهم : يا بحيرا ! إن لك اليوم لشأنا ، ما كنت تصنع هذا فيما مضى ، وقد كنا نمر بك كثيرا ، فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيرا : صدقت ، قد كان ما تقول ، ولكنكم ضيف ، وقد أحببت أن أكرمكم ، وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم . فاجتمعوا إليه ، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا في القوم ، لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده ، قال : يا معشر قريش ، لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا ، قالوا له : يا بحيرا . ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام ، وهو أحد القوم سنا ، تخلف في رحالهم ، قال : فلا تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم . فقال رجل من قريش مع القوم : [ واللات والعزى ] ( 1 ) إن هذا للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا [ قال : ] ثم قام إليه فاحتضنه ، ثم أقبل حتى أجلسه مع القوم ، فلما رآه بحيرا ، جعل يلحظه لحظا شديدا ، وينظر إلى أشياء من جسده ، قد كان يجدها عنده في صفته ، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا ، قام بحيرا [ فقال ] ( 1 ) له : يا غلام ! أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه ، وإنما قال بحيرا ذلك ، لأنه سمع قومه يحلفون بهما ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تسألني
--> ( 1 ) زيادة للسياق من كتب السيرة .